المناوي
19
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وكان عالما محدّثا صوفيّا ، صحب في التّصوّف الجنيد ، والفقه ابن سريج ، والحديث إبراهيم الحربي ، والنّحو جماعة منهم ثعلب ، وكان يفتخر بذلك . أقام بمصر وصار فقيهها ومحدّثها وصوفيّها ، يقصد الأخذ عنه من جميع الآفاق . أتاه جمع من الفقراء فاعتلّ منهم واحد ، فأمر أصحابه بخدمته ، فملّوا ، فحلف أن لا يخدمه غيره ، فخدمه بنفسه حتّى مات ، فدفنه ، فلمّا أراد فتح رأس كفنه ليضجعه مستويا فتح عينيه ، وقال : يا أبا علي لأنصرنّك بجاهي يوم القيامة كما نصرتني بمخالفة نفسك . وقال : دخلت مصر « 1 » فرأيت النّاس مجتمعين ، فقالوا : كنّا في جنازة فتى سمع قائلا يقول : كبرت همّة عين « 2 » * طمعت في أن تراكا فشهق فمات . وقال : اتّخذ رجل ضيافة ، فأوقد فيها ألف سراج ، فقال له رجل : أسرفت ، قال : ادخل ، فكلّ ما أوقدته لغير اللّه فأطفئه ، فدخل فلم يقدر على إطفاء واحد منها ، فانقطع . ومرّ يوما على الفرات وقد عرضت لنفسه شهوة السّمك ، فقذف الماء سمكة نحوه ، وإذا برجل يعدو ويقول : أشويها لك ؟ فشواها له ، وأكلها . ومن فوائده : الإشارة الإبانة عمّا تضمّنه الوجد من المشار إليه ، وفي الحقيقة الإشارة تصحبها العلل ، والعلل بعيدة من الحقائق . وقال : لو تكلّم أهل التّوحيد بلسان التّجريد لم يبق محبّ « 3 » إلّا مات حالا .
--> ( 1 ) في روض الرياحين 325 ( حكاية 273 ) : قصر . ( 2 ) في روض الرياحين : عبد . ( 3 ) كذا في الأصول ، وفي طبقات الصوفية 357 ، والمختار : لم يبق محقّ .